ان الاحساس بالجمال لون من الوان المشاعر الصوفية وصنف من اصناف الذوبان الوجداني في ثنايا
المادة الشعورية والجمال قيمة فنية نسبية الملامح .وفي العصور الوسطى عندما شاع المزج بين الفن
والاخلاق كانت دعوة حقيقية لتبني الجمال وفي ذلك الوقت قصدوا بالجمال كل مايقرب الى الخالق عز
وجل ، ولهذا نتحدث عن فلسفة"سانت اوجستين" عن الجمال بقولها :
ان الجمال الذي يسعد الانسان سواء في الطبيعة او في الاشياء المصنوعة ليس صفة في هذه الاشياء
من حيث هي موجودات مستقلة بذاتها وانما هي اشراق فاض عليها من الخالق فالله خالق كل شيء قد
وضع خاتمه على كافة مخلوقاته"
هناك اتجاهات كثيرة في الجمال ولكن الطابع الغالب عليها هو طابع فكري ذو امتداد حسي ففي عصر
النهضة مثلا كانت مرحلة حقيقية في انتقال الفكر البشري الذي سلك طريقا خاصا للتحرر من سلطان الدين
على الادب فظهر ميل شديد عند الفنانين والادباء لتعلم العلوم الجديدة والتثقف بثقافة العصر لكن من الخطا
ان نقول ان عصر النهضة عصر انقلبت فيه اوروبا بين عشية وضحاها من مجتمع متدين الى مجتمع منفسخ
فالانفساخ ليس بالمصطلح الحقيقي لان السلطات التي تسيطر على الامور تاخذ ابعادا مختلفة فهناك سلطات
قهرية وهناك سلطات قمعية وهناك سلطة رحمانية تتمثل في عدالته سبحانه وتعالى .وان روائع الفن التي
انتجت في عصر النهضة تقف شاهدا على خطا هذا التفكير حيث اننا نجد انها اعمال انسانية بالدرجة الاولى
تتبنى اشكالية الانسان في هذه الحياة وجدلياته المتشعبة وظل هذا النهج التيمة الرئيسية للفن الاخلاقي وبقيت
رسالة الفن واضحة خرجت عن مسارها في بعض الاحيان وتشبثت بمسارها في احيان اخرى
وبعد هذا شاعت النظرة الى الجمع بين الشعر والفنون وهذا كله في اطار بناء شامل لفلسفة الجمال فظهرت
محاولات متعددة للجمع بين الفنون والعلوم من اجل اعطاء العلوم -ببعدها المادي- بعدا انسانيا راقيا
ورغم صعوبة الجمع بين ماهو مادي وماهو روحي فقد ظهر في اواخر القرن السابع عشر في ايطاليا
مصطلح"فنون التصميم" وفي فرنسا مصطلح"الفنون الجميلة"
فكان هناك تشبع عميق بالفكر الجمالي والاحساس الروحي لنسيم الفكر فظهر مذهب جديد هو المذهب
الرومانسي بعد ان عاونت اسباب عديدة على ظهوره منها كتابات "روسو" والاضطرابات السياسة
والاجتماعية العنيفة التي عرفتها فرنسا فكانت هناك دعوة الى عيش هنيء رقيق يناقض العيش السابق فانتشر
المذهب الرومانسي الى باقي الارجاء الاوروبية فظهر عدد كبير من الادباء ثاروا على مايسمى ب"الغاية الخلقية للادب"
لانهم كانوا يرون ان الادب ليس الا استجابة للعواطف الانسانية وتصويرها بمعنى ان الجدليات الانسانية هي التي تربي
الانسان من خلال استخلاص قيمة توعوية لهذه الجدليات وهنا نلمس ثورة اوسكار
وايلد على مذهب"المحاكاة الارسطي" وايمانه بان الفن له عالمه الخاص فيقول " ان تجربتي هي اننا كلما ازدادت
دراستنا للفن قل اهتمامنا بالطبيعة .ان مايظهره الفن لنا الفن بحق هو افتقار الطبيعة الى صناعة التصميم واحتواؤها
صورا عجيبة الفجاجة ورتابة بالغة الغرابة وخلوا كاملا من الصقل .ان الطبيعة ذات نوايا طيبة ولكننا لانستطيع تحقيق نواياها"
ثم يضيف في موضع اخر ويقول "لقد تعاملت مع الفن على انه الحقيقة العليا اما الحياة فهي عندي لون من الخرافة"
ومن خلال هذا الكلام يظهر واضحا مخالفة وايلد للنظرية الافلاطونية حول المسرح "محاكاة المحاكاة" .
وقد تختلف الرؤيا حول الجانب التربوي للفن لانه قد نعتبر ان الخطابة اسوا شيء في التربية فنحن بحاجة
الى خطاب انساني نربي من خلاله الانسان وليس الى خطاب تربوي فالفن وان كان ذو اهداف تربوية الا ان طريقة التربية
تختلف ، في هذا الصدد يقول بودلير "ان الاخلاق لاتظهر في صورة عنوان شكلي للعمل الفني ..الاخلاق ببساطة تنفذ
الى الفن وتمتزج به امتزاجا كليا كامتزاجها بالحياة "
اما فكرة الفن الهادف فلم تظهر الا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بعد ان ظهر المذهب الواقعي
والطبيعي وكل هذه الماهب تجمعها كلمة الجمال